يوم 24 مايو (أيار) الماضي، وقع حادث إطلاق نار في المتحف اليهودي في بروكسل أودى بحياة سائحين إسرائيليين ومتطوعة فرنسية وموظف بلجيكي في المتحف. بعد بضعة أيام على الهجوم، عندما جرى القبض على المشتبه الأساسي، المواطن الفرنسي مهدي نموش، تبين أنه كان بحوزته قطعة قماش مكتوب عليها اسم تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام، وأنه كان قد أمضى وقتا في سوريا في عام 2014.
على الفور ربطت التحاليل الإعلامية بين هذه النقاط ووصفت الهجوم على أنه دليل على «الارتداد الجهادي» من سوريا. كما تبنى عدد من المسؤولين الأوروبيين هذه القراءة. فبحسب المدعي العام الفيدرالي البلجيكي فريدريك فان ليوو، «إن العناصر الجديدة في التحقيق تدير الانتباه مرة أخرى إلى مشكلة العائدين (من سوريا)». لكن تجدر إعادة النظر في هذا التحليل الذي يرسم خطا مباشرا من سوريا إلى الهجوم في بروكسل. فإن نظرنا عن كثب، نرى أن الهجوم في المتحف يخبرنا أقل عن سوريا وأكثر عن أوروبا.
إنما كما اتضح في خطاب الرئيس أوباما في كلية وست بوينت الأسبوع الماضي، فإن سياسته في الشرق الأوسط ترى العالم من خلال عدسة مكافحة الإرهاب. ولقد حصر البيت الأبيض سوريا داخل هذا الإطار الضيق، جاعلا اهتمامه الأول قدرة «الجهاديين» الخارجين من الميدان السوري على استهداف الولايات المتحدة.
عموما، سبب القلق حول المقاتلين الأجانب في سوريا هو احتمال اكتسابهم مهارات قتالية وخبرة عسكرية يمكنهم استعمالها عند عودتهم إلى بلادهم. وهكذا، كما كتب الصحافي ديفيد إغناتيوس الشهر الماضي، «يعتقد المسؤولون الأميركيون أن تنظيم الدولة الإسلامية يوفر خبرة تكتيكية ومرافق تدريب لهؤلاء المقاتلين الأجانب، وهم بذلك يبنون البنية التحتية لعمليات إرهابية في الخارج». والحجة الأخرى هي أن الفترة التي يمضيها هؤلاء الأشخاص في سوريا تدفعهم قدما في عملية «التحول نحو التطرف» وبذا تحضرهم لارتكاب هجوم في بلادهم (في أوروبا أساسا).
ولكن في حالة مهدي نموش، الذي يجري تقديمه الآن مثالا للجهادي «العائد»، لا تبدو هذه الحجج مقنعة. فالواقع التعيس هو أن أعمال العنف التي يرتكبها بعض الأوروبيين المسلمين ضد أوروبيين يهود هي ظاهرة مزمنة تعود إلى سنوات قبل الحرب السورية. في الواقع، بداية صنفت السلطات البلجيكية الهجوم في المتحف أنه «على الأغلب جريمة كراهية ذات دافع عرقي»، قبل أن تبدأ بالنظر في الصلات المحتملة بالإرهاب.
ومع إننا لا نعرف أي شيء عن نشاط نموش في سوريا، فبحسب التحليل المذكور آنفا، فإنه تلقى أثناء وجوده هناك التدريب العسكري والعقائدي الضروري لارتكاب الهجوم. إنما هنا أيضا يبدو منطق التحليل ضعيفا. عند النظر في سيرة نموش، نرى أنه لديه خلفية جنائية (سطو مسلح) أودت به إلى السجن، حيث يفترض أنه اتجه نحو «الراديكالية» في دوائر إسلامية متشددة. لكن من غير الواضح كيف وإلى أي درجة غيّرت إقامة نموش في سوريا ميوله القائمة أصلا.
مع ذلك، بحسب النموذج التحليلي، من المفترض أن نموش قد حاز على «خبرة تكتيكية» و«مهارات قتالية» في سوريا لارتكاب عمليات إرهابية في أوروبا. لكن ليس واضحا كيف أن طريقة عمل نموش، والتي اقتصرت على الدخول إلى المتحف وإطلاق النار من رشاش مخبأ في حقيبة، تمثل هذا النوع من الخبرة المتخصصة. ويصح السؤال نفسه فيما يخص محاولة دخول نموش إلى فرنسا على متن باص، وهو يحمل أسلحة في حقائبه، وهو ما لا يمكن وصفه بالتمرس، خصوصا وأن السلطات الألمانية كانت قد نبهت فرنسا منه، كمصدر خطر أمني محتمل.
إذن، من غير الواضح ماذا في هجوم نموش يعتبر نتيجة تدريب متخصص لا يمكن تلقيه إلا في ميادين الجهاد في سوريا. في الواقع، يمكن لأي مجرم أو إرهابي الحصول على مهارات لارتكاب هجمات مميتة من راحة بيته، دون الحاجة إلى التدريب والخبرة القتالية في الشرق الأوسط. خذ مثلا حالة الأخوين تسرنايف، المسؤولان عن تفجيرات ماراثون بوسطن العام الماضي، فهما تعلما صناعة المتفجرات في «قدر ضغط» عبر تعليمات على الإنترنت.
طبعا، لا شك أن تنظيم مثل «الدولة الإسلامية» كارثة على سوريا، وربما قد يشكل تهديدا على الأمن القومي الأميركي مستقبلا. ففي النهاية، إن ترك الجرح السوري يقيح، مثلما فعل أوباما، ما كان أبدا ليؤدي إلى نتيجة جيدة. لكن في الوقت نفسه، بمقاربته سوريا من منظار مكافحة الإرهاب، فإن البيت الأبيض يعطي الأولوية للعرضي ولا يعالج الجوهري، أي استمرار نظام الأسد.
بعد كل هذا، من المهم ألا نخلط بين أوروبا والولايات المتحدة. فإن أوروبا تعاني من مشكلات اجتماعية مزمنة، في مسائل الهجرة والانصهار الاجتماعي ومعاداة السامية خصوصا، وهي مشكلات أدت إلى مظاهر عنفي. فعندما يبحث المحللون عن صلة مع سوريا من الضروري ألا يقفزوا فوق هذا العنف المتعلق بأوروبا نفسها. وهنا كان لافتا أن كثيرا من اليهود البلجيكيين وضعوا الهجوم في بروكسل في هذا السياق الأوروبي، واعتبروه نتيجة تفاقم معاداة السامية في أوروبا وصعود أحزاب اليمين المتطرف في الانتخابات النيابية في أوروبا.
من الأصح فهم حالة مهدي نموش على هذه الخلفية الأوروبية تحديدا. فقصته هي قصة علل أوروبا، أكثر مما هي قصة «الارتداد الجهادي» من سوريا.
المصدر: ..:: منتديات صمت الجروح ::.. - من قسم: • أخبار آلؤطـن •