تباً لكم! الإعلامي السعودي داوود الشريان الوسيلة الإعلامية -صحيفة أم تلفزيون أم راديو- موجَّهة في المقام الأول للمتابعين؛ فبدون القارئ والمشاهد والمستمع لن تقوم لهذه الوسيلة قائمة. تبسيط الرسالة الإعلامية -ولا أقول تسخيفها أو الهبوط بها- هو هدف ضروري لا غنى عنه، تبسيطها بالطريقة التي تجعلها مفهومة لأكبر قدر من الناس. ما أقوله هنا يدرِّسه أساتذة الإعلام لطلابهم كل يوم. يرددون: الرسالة الإعلامية تشمل المتلقي والمستقبل والرسالة. لكي تصل الرسالة يجب أن تكون سهلة الفهم و الاستيعاب. إحدى مشكلات الصحافة العربية تكمن في أن من يعمل بها لا يفهم قواعدها السهلة الممتنعة. كثير من المتخصصين في مجالات علمية واجتماعية دخل الصحافة ولا زال يشتغل بذات العقلية التي تصلح في قاعات الكليات وليس على أوراق الصحف والمجلات. المواضيع التي ينشرونها مشوبة بعيوب كثيرة لها أول وليس لها آخر. من هذه العيوب أن هؤلاء يكتبون عن قضايا غير آنية؛ لأنهم لا يفهمون أهمية المواكبة التي تتطلبها الصحيفة اليومية. تميز الوسيلة الإعلامية يعتمد على قدرتها على المواكبة والمتابعة التي لا تتعب ولا تلهث. يدرك الصحافيون الأذكياء هذه النقطة؛ فيكتبون وينشرون عن القضايا وهي في أوج اشتعالها، ويعزفون عنها إذا خمدت نارها. العكس نجده في صحافيين وكتَّاب آخرين ساعاتهم متأخرة دائمًا لأسابيع وربما لأشهر. قبل مدة قرأت مقالاً لكاتب من هذه النوعية يتحدث فيه عن قصائد الشاعر بدوي الجبل في الوقت الذي تغلي فيه المنطقة العربية من شرقها إلى غربها! المثقف المبجل يعيش في كوكب آخر. كأني أرى رؤساء التحرير يضربون رؤوسهم بالجدران وهم يستقبلون مقالات حلزونية بعيدة كل البعد عن الحدث اليومي الملتهب. السبب المحفز على تجاهل الكتابة المواكبة يعود لاحتقار هؤلاء الصحافيين للأحداث اليومية؛ فهم أكبر من الكتابة عنها أو الاهتمام بها، حياتهم مشغولة بما هو أهم، ومقالاتهم يجب أن تستغرق منهم وقتًا طويلاً من التدبر والتفكر والتأمل، وستتخذ بعدًا تنظيريًّا تجريديًّا ضروريًّا؛ لأن الفكرة أصعب من شرحها بالتعابير والأمثلة الدارجة! العيب الآخر هو الإطالة المملة والقاتلة التي لا داعي لها؛ مجرد تكرار يعقبه تكرار يعقبه تكرار آخر. الصحيفة تعتمد الأفكار الخلاقة المتجددة، ولكن الأفكار الخلاقة ستموت في مهدها إذا عبر عنها بمطولات تبدأ ولا تنتهي. سيعزف القراء عن المتابعة لأن لدى القارئ وقتًا محددًا للصحيفة لن يضيعه بقراءة موضوع واحد يبدأ ولا ينتهي، أضف لذلك أن الأفكار في العادة مكرورة ومطروقة سابقًا. من المؤكد أن مسؤولي التحرير قد طالبوا هؤلاء الكتَّاب بالاختصار والتحديث، ولكن أصواتهم بحَّت، وحناجرهم تورمت. كيف يطلب من الفلاسفة اختصار ما لا يمكن اختصاره! هذه الخلاصة أو “الزبدة” كما يقال. هناك شعور يستوطن دواخلهم عن الحاجة للإطالة التي تعكس العبقرية الثقافية والأدبية والفلسفية! سأكتفي بذكر هذه العيوب، ولكن يجب القول: إن ذلك يعود في جزء كبير منه إلى عدم فهم أبجديات العمل الصحافي الذي يعد مهنة مستقلة لها تقاليدها المترسخة التي يجب أن تُحتَرم حتى تحقق الغرض منها. كما أن هناك من يعتقد -خصوصًا من الداخلين على الصحافة من ساحات أخرى- أن الصحافة مهنة لا تستحق الاحترام؛ مثل الفتاة الحسناء الكل يعدها بالزواج، وينعم بمجالستها والاستمتاع بجمالها، ولكن الكل يهجرها بعد وقت يطول أو يقصر. الأدباء يصفّون فيها خلافاتهم التي لا تنتهي، والتجار يبحثون فيها عن الوجاهة الاجتماعية، وحتى اللاعبون المعتزلون امتهنوها بحثًا عن النجومية الزائلة! لديَّ مثل واحد يثبت أن الصحافي الحقيقي والمحب فعلاً للصحافة بحلوها ومرِّها قادر على تحريك الرأي العام خصوصًا في قضايا كبيرة ومصيرية، مثل حماية الأرواح، ومحاربة جماعات التكفير والتحريض التي عاثت بالمنطقة خرابًا. الصحافي الخبير “داود الشريان” -الذي كتبت عنه تدوينة -سابقًا- بعنوان: “داود الشريان.. راش ليمبو الصحافة السعودية”- مثال على الصحافي الحقيقي الذي لم يواكب فقط، ولكنه خلق مواضيع جعل منها حديث الساعة، عرف كيف يوصل رسالته بكل قوة ومباشرة وإقناع، لم يطل ويعيد ويكرر، بل اختصر واستخدم اللغة الشعبية الأقرب لقلب المشاهد؛ لكي يحقق رسالته في قضايا أخلاقية ووطنية لا تحتمل المواربة والحذلقة. “فكّنا من شرّك يا العرور” ، “وترانا ملّينا وزهقنا منكم”، و”تبًا لكم”.. عبارات ستبقى بالذاكرة لوقت طويل؛ لأنها فهمت قوة الصحافة ولغتها السهلة الممتنعة!. المصدر: ..:: منتديات صمت الجروح ::.. - من قسم: • أخبار آلؤطـن •