القائمة الرئيسية

الصفحات

عِراقنا.. مِن طُوَيْس إلى طُوَيْس!


عِراقنا.. طُوَيْس طُوَيْس! Gal.iraq_.jpg_-1_-1-انفجارات متكررة تطال العاصمة بغداد في العراق


قصتنا مع الشُّؤم طويلة، بعد أن صحونا مِن حلمنا بأرض خضراء وجدنا الغبراء تحيط بنا مِن كلِّ جانب، حتى تعودت عيوننا على اللَّون الكالح، ولا ترى معنىً في غيره. فأي
طُوَيْس فرضها علينا؟ لا إنه ليس طُوَيْساً واحداً، إنما طُوَيْس سلمها إلى طُوَيْس، فصار الكلُّ عملاء وطُوَيْس الوطني الفريد مِن نوعه. يُفَسرُ خطأ طُوَيْس صواباً وهزيمته انتصاراً. طُوَيْس وحده العاقل، وجوقته الطَّبالون يقفون بالمرصاد، على استعداد جعل السَّواد بياضاً والبياض سواداً، جوقة أضاعت الصَّواب، وأخذت تدفع بشؤمه حتى حتوفنا جميعاً، وقد قيل قديماً “عليَّ وعلى أعدائي”! هكذا كان السَّابق وهكذا اللاحق، والجوقة نفسها.

لما قرأتُ قصة طُوَيْسٍ، واتفاق النَّحس مع مسراته، استغربت مِن الاتفاق، عدت قراءتها مرة وأخرى حتى عشش في رأسي اسماً وشؤماً. أخذتُ أقلبُ الصَّفحات الأُخر مِن الكتاب لعلي أنسى طُوَيْساً، إلا أنه أخذ يقف أمامي تارةً خطيباً وأخرى حادياً مغنياً بمواله القديم الجديد، هو نفسه لا غيره مع اختلاف الاسم ونبرة الصّوت، لم يبق في وجهه ملمح استئناس، فالوجوه تقرب وتبعد بملامحها أولاً وما بعدها تأتي الأفعال. صار طُوَيْس مثلاً وغدا كنايةً، يطوي الأرض ولا تمنعه جبال ووديان وفيافٍ، وهل كانت عشتار غير عِراقيَّة، فما قذف بها إلى الهند والسِّند، فمثلما تغربت عشتار بخيرها شرق إلينا طُوَيْس بنحسه.

فمَن هو طُوَيْس وما هي قصة شؤمه؟ التي تمكنت مني، حتى اخترتها مادة لهذه المدونة، وكم حاولت تفاديها إلى عنوان آخر ما استطعت إلى ذلك سبيلاً. مع علمي مسبقاً أنها قد لا تلفت نظر غير المبتلين بالشؤم، وأي شؤم؟ موت يومي على مدار السَّاعة، وبلاد اختزت وتمزقت وستغادر التَّاريخ، لم يبق منها إلا ما حفظته متاحف الغرباء، رايات متعددات، سود وخضر وصفر وحمر، كلُّ يرفع رايته، فالزَّمن زمن طُوَيْس ومسراته.

قرأت في كتاب “الأغاني” لأبي فرج الأصفهاني (ت 356 هـ)، وبعده في “ربيع الأبرار ونصوص الأخيار” لأبي القاسم محمود بن عمر الزَّمخشري (ت 538 هـ) وغيرهما مما سيرد ذكرهم، أن طُوَيْساً لقبٌ غلب على مغنٍ اسمه عيسى بن عبد الله وكنيته أبو عبد المنعم، فغيرها جوقته تحبباً فجعلوها أبا عبد النَّعيم. وهو القائل عن نفسه: “إنني عبد النَّعيم/ أنا طَاوس الجحيم/ وأنا أشأم مَن يمـ/شِي على ظهر الحَطيم”(الجوهري، الصَّحاح). كان ينقر بالدَّف، ومع ذلك يوصف أنه عالم بالأنساب، ويتجنب الضَّرب بالعود، له لسان غير منضبط. لكنَّه كان يجذب الآخرين إليه، لأنه على شؤمه وضرب المثل به صاحب ظرف، يُقال “يُضحك كلَّ ثكلى حرى”.

يذكر المؤرخون أن شؤم طُوَيْس اتفق مع الحوادث التَّالية: كانت ولادته يوم وفاة النَّبي الكريم، وفطامه يوم وفاة أبي بكر الصِّدِّيق، وختانه يوم اغتيال عمر بن الخطاب، وزواجه يوم قتل عثمان بن عفان، وولد له ولد يوم اغتيال علي بن أبي طالب (ربيع الأبرار ونصوص الأخيار). ويُزيد الأصفهاني أن ولدَ له ولد يوم وفاة الحسن بن علي. بطبيعة الحال، لم تمر هذه الحوادث سهلة على النَّاس آنذاك، غير أنها اتفقت مع مسرات طُوَيْس! حتى قيل “وهذا مِن عجائب الاتفاقات”.

لا أظن أن هذه الرِّوايات قد اُختلقت أو وضعت ضد طُوَيْس لأنه مغنٍ مثلاً، فهناك عشرات المغنين تحدث عنهم الرّواة والإخباريون بلا تجريح. انتهى طُوَيْس مقتولاً بعد امتحانه بقراءة سورة “أم الكتاب”، فلما سُئل عن حفظها ظن أن الأمر مجرد مزحة، فقال مستظرفاً بما لم يحسب حسابه، ولم يُقَدِر شؤمه عليه، فقادته مزحته إلى القتل، قيل قَتله على ذلك مِن قِبل مروان بن الحكم (ت 65 هـ)، وفي رواية أخرى أنه ولد (11 هـ) وامتد به العمر حتى توفى (92 هـ) بالسُّويداء مِن أرض الشَّام، وقيل قبره ببلاد عذرة مِن وادي القري، هذا ما جمعه عنه ابن خِلِّكان (ت 681 هـ) في “وفيات الأعيان”.

ذهب شؤم طُوَيْس، على النَّاس وعلى نفسه، مثلاً، فقيل “أشأم مِن طُوَيْس”(الصَّحاح). كلُّ الشُّعوب عندها ما تتشاءم منه وتتفاءل به، مِن أرقام، أو أوقات، أو أيام، أو شهور، أو رؤية مشهد ما، أو ما يُقابل شخص مثل طُوَيْس. إلا أن أهل العراق كانوا يتشاءمون من يوم الأربعاء بالذات، ففي هذا اليوم يُذكر أنهم: لا يحتفلون بزواج ولا يتزوجون، ولا يسافرون خارج قراهم أو مدنهم، ولا يدخلونها في هذا اليوم عائدين من سفر، و”لا يبايعون فيه بشيء، ولا بالبغل الأغرِّ الأشقر”. فخلال المعارك بين الحجاج (ت 95 هـ) وابن الأشعث (قُتل 85 هـ) دعا الحَجاج ببغلة شقراء محجّلة، فركبها خلافاً لهذا الرَّأي، واستشعاراً بشؤمهم، و”نادى مناديه في عسكره: أن أنهضوا إلى قتال ابن الأشعث”. أي أنه استغل يوم الأربعاء (الإمامة والسياسة، المنسوب لابن قُتيبة).

لذا كان الحجاج قد وَقتَ معركة “دير الجماجم” (قريباً من بابل) الفاصلة مع ابن الأشعث يوم الأربعاء، بينما حاول الأخير إبعادها عن هذا اليوم المنحوس لدى جيشه من أهل العراق، فهم لا يقاتلون في مثل هذا اليوم (الطَّبري، تاريخ الأمم والملوك). ومعلوم أن المغول اجتاحوا بغداد يوم الأربعاء، زحفوا عليها كالقوارض، من الأسوار والبوابات، واتفق أن يكون من أيام صفر. قال مؤرخ وطبيب المغول رشيد الدِّين الهمداني (قُتل 718هـ) المغول: “كان بدء القتل العام والنَّهب في يوم الأربعاء، السَّابع من صفر، فاندفع الجند مرة واحدة إلى بغداد، وأخذوا يحرقون الأخضر واليابس، ماعدا القليل”(جامع التواريخ، تاريخ هولاكو).

وكان قتل آخر خلفاء بني العباس عبد الله المستعصم (656 هـ) في الأربعاء التي تلاه، وأضيف أن استلام البعث لمقاليد السَّلطة بدأ صبيحة أربعاء أيضاً (17 تموز 1968) وبنوا سلطة لم تسقط إلا باجتياح أمريكي ويوم الأربعاء (9 أبريل 2003)! واستعير مِن ابن خِكان عبارته “وهذا مِن عجائب الاتفاقات”. قال المنجمون في الأربعاء: “قليل الخير، والأربعاء الأخير من الشهر يوم نَحس مستمر”(القزويني، عجائب المخلوقات وغرائب الموجودات).

أظن الأربعاء ما زال غير محمود لدى أهل العِراق، لو حَذر الخطباء أصحاب القرارات المفاجئة منه، واستبدلوه بيوم آخر، ففي كلِّ دورة أسبوع عليه نسمع الهوائل، ولم يبق مِن العِراق سوى رقة بيت العنكبوت: “وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنْكَبُوتِ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ”.

اختم بتهديد طُوَيْس لمَن يتشاءمون منه: “ما دمتُ بين ظهرانيكم فتوقعوا خروج الدَّجال، فإن متُ فأنتم آمنون”! وأردف بما قاله الشَّاعر أبو الفتح علي بن محمد (ت 400 هـ) في طُوَيْس زمانه: “وصيرَّ طُوس معقله فكانت/ عليه وطوس أشأم مِن طُوَيْس”(الزمخشري، ربيع الأبرار). ومع جودة الغناء وشهرته عند الكثيرين إلا أن هناك مَن لا يفضل طُوَيْس، وإياه عنى الشَّاعر: “تغنَّى طُوَيْسٌ والسُّريجي بعده/ وما قَصباتُ السِّبق إلا لمعبد”(الوفيات). هذا، وكان السُّريجي ومعبد مغنيين سارت بألحانهما الرُّكبان.

ربَّما القلائل مِن أمثال طُوَيْس، وهو تصغير طاوس الطَّير المعروف، حظوا بترجمات كثيرة في كتب التَّراجم، ويكفي أنه مذكور في كتاب “الأوائل” لأبي هلال العسكري (ت بعد 395 هـ)، وله ذِكرٌ في معاجم اللُّغة، فاسمه صار يرد مع الجذر طيس.

تعليقات