القائمة الرئيسية

الصفحات

كيف يجري الدفع بحكومة إقليم كردستان لمواجهة «داعش»؟




يجري الدفع بحكومة إقليم كردستان Friedman_Kurdstotherجندي من البشمركة


تسعى الولايات المتحدة وإيران إلى الزج بالأكراد في الصراع، من خلال الزج
بحكومة إقليم كردستان وقوات البشمركة الماهرة (والجاهزة) خاصة وأن الجيش الوحيد الذي لم يمس في العراق يتمركز بالساحة الكردية. و خلال لقاء في طهران، بين رئيس الوزراء الكردستاني نيجيرفان بارزاني، وعلي شمخاني، الأمين العام للمجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني، طلب المسؤولون الإيرانيون، بحسب تقارير، من الأكراد الاشتراك في القتال ضد «داعش». ويبدو أن المسؤولين الأميركيين يأملون أيضا في أن يتدخل الأكراد؛ إذ إنه إذا كانت واشنطن ترغب في قمع «داعش»، تصبح البشمركة هي رهانها الأفضل.

عائدات النفط

لكن هل ستحقق الولايات المتحدة وإيران ما تسعيان إليه؟ البعض يظن ذلك؛ إذ يعتقد عدد من المديرين التنفيذيين لشركات النفط والمحللين المخضرمين في الشؤون العراقية أن الأكراد يمكن أن تحركهم عائدات النفط، وضمانات تدفق الإيرادات فقط. فقد كانت حكومة إقليم كردستان قد ضخت نحو ثلاثة ملايين برميل من النفط إلى جيهان التركية، ولكنها واجهت صعوبة في بيع منتجها في السوق العالمية لعدة أسباب من بينها تدخل بغداد. ويعتقد البعض أنه إذا توقفت المقاومة التي يواجهها الأكراد فيما يتعلق بمبيعات النفط، فسوف يصبحون أكثر ميلا لدعم الولايات المتحدة وإيران ضد «داعش».

وهناك أسباب وجيهة لكي تعمل حكومة إقليم كردستان على دحر «داعش»؛ ففي الماضي، استهدف مجاهدون سنة حكومة إقليم كردستان، وقبل أسبوع واحد من سيطرة «داعش» على الموصل، شنوا هجوما على مكتب الاتحاد الوطني الكردستاني في ديالى، مما أسفر عن مصرع 18 شخصا. كما أن هناك صعوبة في التنبؤ بأفعال «داعش» وهو ما يمكن أن يجعلها تشكل في المستقبل القريب مخاطر أمنية بالنسبة للمنطقة التركية. وبالنسبة للحكومة الكردية التي اشتهرت بقدرتها على توفير الأمن، سيمثل هجوم «داعش» ضربة هائلة.

علاوة على ذلك، فعلى الرغم من أن «داعش» تركز اهتمامها على بغداد في الوقت الراهن، يمكن أن يندلع صراع عسكري مع الأكراد في عدة أماكن؛ حيث إن «داعش» تخوض معارك متقطعة مع البشمركة شمال ديالى التي يرغب الأكراد في بسط سيطرتهم عليها بسبب قربها من مدينة خانقين ذات الأغلبية الكردية. وفي كركوك أيضا، يبدو الخط الفاصل بين البشمركة و«داعش» مطروقا على نحو خطر؛ حيث يسيطر الأكراد على معظم أنحاء المحافظة، بينما يسيطر المتمردون السنة على الأجزاء الجنوبية، بما في ذلك الحويجة، حيث وقعت أعمال عنف دامية بين متظاهرين سنة والحكومة العراقية، العام الماضي. وبحسب مصدر كردي، تشاطر المنطقة حاليا ألف كيلومتر (620 ميلا) من حدودها، مع المتمردين.

حماسة كردية

لكن هؤلاء الذين يتوقعون حماسة كردية للقتال سيخيب أملهم على الأرجح؛ نظرا لأنهم أساءوا تقدير الموقف الكردي الراهن، وكذلك أثر الجرح الممتد منذ عدة عقود ماضية، حينما منح الأكراد دعمهم للغرب ولم يحصلوا على شيء في المقابل. ففي الواقع، رسم الأكراد خطوط المعركة شمال الموصل، عبر جنوب محافظة كركوك، وحتى شمال محافظة ديالى، وطالما احترمت «داعش» ذلك الخط، فإن الأكراد، الذين يعتمدون على سمعتهم كمركز يتمتع بالاستقرار وجاذب للقطاع الخاص في منطقة محفوفة بالصراعات الطائفية، لن يكون لديهم أسباب كافية لاستدعاء الحرب. على أية حال، قضى الأكراد عقدا من الزمان لتنمية هذه السمعة، وأسس الاتحاد الوطني الكردستاني جيشا قويا بدعم شعبي، وأدارت الحكومة ببراعة علاقتها مع تركيا وإيران. وبينما عاش العراقيون في أنحاء البلاد في صراع دائم، شهدت العاصمة الكردية حالة من البناء المستمر. ويعتمد استمرار هذا النجاح، الذي بني إلى حد بعيد على الثروة النفطية، أساسا على الحفاظ على الأمن.

يجب أن تلتزم واشنطن تجاه حكومة إقليم كردستان بدعم مطالبها لفرض سيطرتها على المناطق المتنازع عليهاومن جهة أخرى، يمثل التاريخ إشكالية أيضا، فإذا ما ذكرت ببساطة عام 1975 أمام أي كردي، سوف تسمع عن «خيانة» وزير الخارجية الأميركي هنري كسينجر، واتفاق الجزائر، الذي أنهى مؤقتا الصراع العراقي الإيراني؛ وترك أكراد العراق، الذين دعموا شاه إيران، يعانون على أيدي البعثيين. فقد اكتوت الذاكرة الجمعية للأكراد بهذه الخيانة التي بقيت شاهدة على مخاطر أن تترك أمرك تحت رحمة القوى الراسخة.

وبالنسبة للأكراد ليس عام 1975 هو المشكلة الوحيدة؛ ففي الأيام الأولى لحرب العراق حاربت القوات الخاصة الأميركية جنبا إلى جنب مع البشمركة الكردية، ضد تمرد أنصار الإسلام. واعتقد الأكراد أنهم أثبتوا أنفسهم كحلفاء أقوياء للولايات المتحدة، لكن حينها سعى بول بريمر، رئيس الحكومة المؤقتة للتحالف في العراق، إلى نزع سلاحهم. وعقب اجتياح كركوك عام 2003، اضطر الأكراد إلى التراجع تحت وطأة الضغط الأميركي، وهي اللحظة التي أسف عليها قادة التحالف الوطني الكردستاني لسنوات طويلة حتى تمكنوا من استعادة المدينة الأسبوع الماضي. بالإضافة إلى ذلك، أربك قرار إدارة أوباما بانسحاب القوات من العراق القادة الأكراد وتركهم دون مبرر لخوض المعركة نيابة عن الولايات المتحدة.

على أية حال، ليست الولايات المتحدة هي اللاعب الوحيد الذي يثير ريبة الأكراد، فهم غير متحمسين أيضا للجيش العراقي، الذي ربما يكون عليهم التنسيق معه أيضا. ففي مدينة الغولاء أطلقت المدفعية العراقية مؤخرا نيرانها على القوات الكردية بدلا من متمردي «داعش»، وقتلت ستة من البشمركة مما زاد مرارة المواطنين الأكراد وأجج الاستياء من الجيش العراقي.

ومع ذلك، تظل القوات الكردية هي أفضل أمل أمام الراغبين في وقف «داعش» في العراق ومن المرجح أن تعمل إدارة أوباما على إقناعهم بالمشاركة في الهجوم، أو على الأقل توفير دعم لوجستي واستخباراتي ملموس للجيش العراقي. وهناك عدة أشياء على إدارة أوباما أن تقوم بها إذا ما كانت ترغب في مشاركة كردية. أولا عليها أن تكف عن أي حديث عن دعم رئيس الوزراء العراقي نوري المالكي؛ الدموي مثير المشاكل الذي تدعمه إيران إلى أقصى درجة؛ حيث إن الإشارات الأميركية المستمرة بشأن دعمه، لن تؤدي إلا إلى حشد المعارضة السنية، وهو ما يمكن أن ينعكس على الاتحاد الوطني الكردستاني. بدلا من ذلك، يجب على واشنطن (وطهران) أن تصر على أن يضع المالكي حدا للخطاب التحريضي لأعضاء حزبه ووسائل الإعلام الرسمية. فهذا الخطاب الذي يلمح لمؤامرة كردية – داعشية على وجه الخصوص ينفر سريعا الرأي العام الكردي.

الدور الامريكي

ثانيا: يجب على الولايات المتحدة أن تقدم شيئا ملموسا للأكراد الآن، وهو ما يمكن أن يتضمن مثلا تيسير طرق بيع النفط الكردي، فقد أرسل الاتحاد الوطني الكردستاني ناقلات النفط مرارا إلى المياه الدولية بحثا عن مشترين ولكنها كانت تعود خاوية الوفاض. كما يجب على الولايات المتحدة أن تتخلى بهدوء عن اعتراضاتها على مبيعات النفط الكردية المستقلة، وتعمل على تسهيل العثور على مشترين، وتدعم وجود تدفق مستقل للعائدات لحكومة إقليم كردستان.

ثالثا: على الولايات المتحدة تسليح البشمركة؛ فقبل شهور فقط، وافق الرئيس الأميركي باراك أوباما على مد المالكي بشحنة أخرى من الأسلحة الأميركية المتطورة، وها هم مقاتلو «داعش» يلوحون بالعديد من الأسلحة أميركية الصنع، فقد كانت هذه هي تكلفة دعم واشنطن الراسخ لقوات الأمن العراقية. وإذا كان الغرب ينشد مساعدة كردية لاستئصال «داعش»، عليه أن يظهر التزاما مماثلا عبر تسليح القوات الكردستانية، مع تقديم الدعم عبر ضربات جوية عند الضرورة.

هناك أسباب وجيهة لكي تعمل حكومة إقليم كردستان على دحر «داعش»وأخيرا: يجب أن تلتزم الولايات المتحدة تجاه حكومة إقليم كردستان بدعم مطالبها بفرض سيطرتها على المناطق المتنازع عليها والتي استعادتها الأسبوع الماضي. وبالنسبة للولايات المتحدة سيكون من الحماقة أن تعد حكومة إقليم كردستان بكركوك، وهو وعد يعرف الأكراد أن الولايات المتحدة لا يمكنها الوفاء به. لكن الوعد بقبول ضمني بالمطالب الكردية مسألة أخرى، فهذه الطمأنة، يجب أيضا، أن تمرر بهدوء، وفي صيغة أن حل الوضع النهائي لكركوك هو قضية عربية – كردية – تركمانستية. ما من أحد يمكنه أن يشك في أن حكومة إقليم كردستان لديها شكوك في مثل ذلك الوعد، ومع ذلك، يمكن لدعم أميركي جريء، بطرق أخرى، أن يقنع حكومة إقليم كردستان بإخلاص الولايات المتحدة.

إن ما يجعل كلفة المشاركة الكردية مرتفعة جدا اليوم هي القناعة الكردية، وهي قناعة معقولة بأن الولايات المتحدة كانت شريكا غير موثوق الجانب. بالإضافة إلى أن الأكراد يتمتعون بوضع مهيمن في العراق؛ حيث إنهم موحدون ومتفوقون عسكريا ولم يطالهم تأثير الصراعات العربية العنيفة، وكون أن كل شيء قابل للتغير أمام عدو، لا يمكن التنبؤ به كـ«داعش»، أمر. والسعي للقتال أمر مختلف بالكلية. ولإقناع حكومة إقليم كردستان للقيام بهذه المهمة، يجب على الولايات المتحدة أن تنخرط بفعالية في القضية الكردية، وإلى أن يحدث ذلك، ربما تنأى حكومة كردستان العراق بنفسها عن المعركة إلا إذا وضعت مصالحها على المحك، ولا أحد يمكنه أن يلومها في هذه الحالة. وكما هو الحال في كثير من الأحيان، فإن التاريخ هو الذي يطرح أكبر العقبات أمام مكافحة «داعش».

دوف فريدمان: طالب دراسات عليا بمعهد جاكسون للشؤون الدولية بجامعة ييل.
كيل صالح: باحثة متخصصة في العراق وسوريا ولبنان.
فورن أفيرز – خاص للمجلة

تعليقات